باتريس لومومبا: الزعيم الذي اغتيل لأنّه أراد استقلالاً حقيقياً
يُعدّ باتريس إيميري لومومبا واحداً من أبرز رموز التحرر في أفريقيا خلال القرن العشرين، ليس فقط لأنه كان أول رئيس وزراء منتخب ديمقراطياً في الكونغو، بل لأنه دفع حياته ثمناً لموقفه الجريء ضد الاستعمار الجديد وهيمنة القوى الكبرى. قصته تختصر مأساة أفريقيا بعد الاستقلال، حيث تحولت الحرية المعلنة إلى ساحة صراع دولي دموي.
النشأة والبدايات
وُلد باتريس لومومبا سنة 1925 في إقليم كاساي بالكونغو البلجيكية. نشأ في بيئة فقيرة تحت نظام استعماري عنصري قاسٍ، حيث كان الكونغوليون يُعاملون كمواطنين من الدرجة الدنيا في بلدهم. تلقى تعليماً محدوداً، لكنه تميز بذكاء لغوي وثقافة سياسية مبكرة، واشتغل في الصحافة والعمل النقابي، ما سمح له بالاحتكاك المباشر بمعاناة الشعب.
سرعان ما أصبح صوتاً صريحاً ضد الاستعمار البلجيكي، رافضاً فكرة “الاستقلال التدريجي” التي كانت بلجيكا تروج لها لإطالة سيطرتها على ثروات الكونغو الهائلة.
زعيم الاستقلال وصوت الكرامة
في أواخر الخمسينيات، أسس لومومبا الحركة الوطنية الكونغولية، وهي أول حزب سياسي عابر للقبائل، ما جعله خطراً حقيقياً على سياسة “فرّق تسد” التي اعتمدها الاستعمار. طالب باستقلال كامل، وحدة وطنية، وسيادة اقتصادية حقيقية.
في 30 يونيو 1960، أعلن استقلال الكونغو. وفي حفل الاستقلال، ألقى لومومبا خطاباً تاريخياً أمام الملك البلجيكي بودوان، انتقد فيه علناً جرائم الاستعمار والعبودية والنهب، في لحظة صادمة كسرت البروتوكول الاستعماري وأحرجت القوى الغربية. كان ذلك الخطاب بمثابة إعلان حرب غير مباشر عليه.
من الأمل إلى المؤامرة
بعد الاستقلال، أصبح لومومبا أول رئيس وزراء منتخب ديمقراطياً. لكن لم يُمنح الوقت لبناء الدولة. فقد بدأت المؤامرات فوراً:
-
بلجيكا دعمت انفصال إقليم كاتانغا الغني بالمعادن
-
الشركات الغربية خشيت من تأميم الموارد
-
الولايات المتحدة رأت فيه “خطراً شيوعياً” رغم أنه لم يكن شيوعياً
طلب لومومبا دعماً من الأمم المتحدة، لكن الأخيرة التزمت الحياد السلبي. وعندما لجأ إلى الاتحاد السوفيتي للمساعدة العسكرية، استُخدم ذلك ذريعة لتصنيفه عدواً في سياق الحرب الباردة.
الانقلاب والاعتقال
في سبتمبر 1960، نفذ قائد الجيش جوزيف موبوتو (بدعم أمريكي-بلجيكي) انقلاباً أطاح بحكومة لومومبا. وُضع لومومبا تحت الإقامة الجبرية، ثم اعتُقل بعد محاولة للهروب نحو الشرق.
تعرض للإهانة والتعذيب، ونُقل سراً إلى كاتانغا، حيث كان أعداؤه السياسيون ينتظرونه.
الاغتيال: جريمة دولة
في 17 يناير 1961، أُعدم باتريس لومومبا رمياً بالرصاص مع اثنين من رفاقه. لم يُكتفِ بقتله، بل تم إذابة جثته في الحمض لإخفاء الجريمة.
لاحقاً، اعترفت بلجيكا بـ“مسؤوليتها الأخلاقية” عن الاغتيال، وكشفت وثائق أن:
-
وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) كانت على علم بالمخطط
-
بلجيكا لعبت دوراً مباشراً في التنفيذ
-
الأمم المتحدة فشلت في حمايته
كان اغتياله رسالة واضحة: أي زعيم أفريقي يسعى لاستقلال حقيقي سيلقى هذا المصير.
إرث لومومبا: شهيد أفريقيا
لم يحكم لومومبا سوى أسابيع قليلة، لكنه أصبح رمزاً خالداً. تحوّل إلى أيقونة للتحرر في أفريقيا والعالم الثالث، واستلهمت حركات ثورية كثيرة خطابه ومصيره.
قال عبارته الشهيرة قبل اغتياله:
“قد يقتلونني، لكنهم لن يقتلوا أفكاري”
وبالفعل، لم تُقتل أفكاره.
لومومبا والاستعمار الجديد
قضية لومومبا تكشف الوجه الحقيقي لما يسمى “الاستقلال”. فالكثير من الدول الأفريقية حصلت على أعلام ونشيد وطني، لكنها بقيت:
-
خاضعة اقتصادياً
-
مخترقة سياسياً
-
منهوبة الثروات
وكان لومومبا من القلة الذين فهموا أن المعركة الحقيقية تبدأ بعد الاستقلال.
الخلاصة
باتريس لومومبا لم يكن ملاكاً، لكنه كان صادقاً، وشجاعاً، وخطيراً على نظام عالمي لا يقبل بزعماء أحرار في أفريقيا. اغتياله لم يكن خطأً تاريخياً، بل جريمة سياسية محسوبة ما زالت آثارها تدمّر الكونغو حتى اليوم.
إن الحديث عن لومومبا ليس نبشاً في الماضي، بل فهماً للحاضر: لماذا فشلت دول غنية بالثروات؟ ولماذا يُحارب كل مشروع سيادي حقيقي في الجنوب العالمي؟
